أحمد بن محمد المقري التلمساني
160
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الباب الثالث في ذكر مشايخ لسان الدين الجلة هداة الناس ونجوم الملة في ذكر مشايخه الجلّة ، هداة الناس ونجوم الملّة ، وما يتعلّق بذلك من الأخبار الشافية من العلّة ، والمواعظ المنجية من الأهواء المضلّة ، والمناسبات الواضحة البراهين والأدلّة . أقول : لا خفاء أنّ الشيخ لسان الدين ، رحمه اللّه تعالى ، أخذ عن جماعة من أهل العدوة والأندلس عدة فنون ، وحدّث عنهم بما يصدق الأقوال ويحقّق الظنون . [ محمد بن أحمد ، الحسين ، السبتي ، قاضي الجماعة ] فمن أشياخه ، رحمه اللّه تعالى ، الفقيه الجليل الشريف النبيه الشهير ، رئيس العلوم اللسانية بالأندلس ، قاضي الجماعة أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السّبتي « 1 » ، رحمه اللّه تعالى ! كان هذا الشريف آية اللّه الباهرة في العربية والبيان والأدب ، ويكفيه فضلا أنه شرح الخزرجية ، وافترع هضاب « 2 » مشكلاتها بفهمه ، من غير أن يسبقه أحد إلى استخراج كنوزها ، وإيضاح رموزها ، وشرح مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن حازم بن محمد القر طاجنّي الأندلسي التي مدح بها أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا عبد اللّه محمدا الحفصي ، وسمّى هذا الشرح ب « رفع الحجب المستورة ، عن محاسن المقصورة » وهذا الشرح في مجلّدين كبيرين ، وفيه من الفوائد ما لا مزيد عليه ، رأيته بالمغرب ، واستفدت منه كثيرا . ومن فوائد الشريف المذكور أنه قال فيما جاء من الحديث في صفة وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فأقبل بهما وأدبر » إنّ أحسن الوجوه في تأويله أن يكون قدّم الإقبال تفاؤلا ، ثم فسّر بعد ذلك على معنى أدبر وأقبل ، قال : والعرب تقدّم في كلامها على ألفاظ أخرى ، وتلتزمه في بعض المواضع ، كقولهم : قام وقعد ، ولا تقول : قعد وقام ، وكذلك أكل وشرب ، ودخل وخرج ، وعلى هذا النمط كلام العرب ، فتكون هذه المسألة من هذا ، قال : ويؤيد ما قلناه - وهو موضع النكتة - تفسيره لأقبل وأدبر في باقي الحديث على معنى أدبر ثم أقبل ، ولو كان اللفظ على ظاهره لم يحتج إلى تفسير ؛ انتهى .
--> ( 1 ) انظر ترجمته في الإحاطة ج 2 ص 129 . ( 2 ) افترع هضاب مشكلاتها : أي حل مشكلاتها .